المقداد السيوري

438

اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية

الخامس : إنّا سنبيّن أنّ الإيمان هو التصديق ، وهو علّة في استحقاق الثواب ، وهو باق قبل المعصية وبعدها ، فإذا كانت العلّة موجودة وجب وجود معلولها ، وهو المطلوب ، فيبطل الإحباط والموازنة معا « 1 » .

--> ( 1 ) والتحقيق في مسألة الإحباط والتكفير أنّه لا نزاع في بطلان الكفر واستحقاق العقاب الذي حصل له بالإيمان . وكذا لا نزاع في بطلان الإيمان وسائر الطاعات والأعمال واستحقاق الثواب بها بالكفر ، فيقال باشتراط وصول ثواب الطاعات على عدم حصول الكفر والموت على الإيمان . وكذا حصول العقاب بالكفر مشروط بعدم الإيمان والموت على الكفر ، والقرآن الكريم نصّ صريح في ذلك قال اللّه تعالى : « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ » . ومورد النزاع في المسألة هو المؤمن المطيع إذا فعل ما يستحقّ به عقابا ، فاختلف فيه أنّه هل يجتمع له استحقاق ثواب واستحقاق عقاب أم لا ؟ فذهب أهل التحقيق والنظر الدقيق من الإمامية بل أكثرهم أنّه يجتمع له ذلك ، وقال جمهور المعتزلة : إنّه لا يمكن له ذلك ، وقالوا بالإحباط والتكفير ، وهو على خلاف التحقيق والتحليل العلمي الصحيح . ثمّ المراد من الإحباط والتكفير هو البطلان والفساد وعدم التأثير للأعمال في سعادة الإنسان وشقاوته ، لا المحو والإعدام والمحق والتنسيف بالكلّية وصيرورة الأعمال معدومة بحيث لا يبقى منها شيء ، كما هو ظاهر تعبيرات جمع كثير منهم ، فإنّهم يعبّرون عنهما بالمحو ، والمحق والإفناء ، حيث يقولون : الإحباط عبارة عن إفناء كلّ من الاستحقاقين للآخر أو المتأخّر للمتقدّم أو بتعبير بعضهم : هو الانتفاء ، وفي اللغة : الإحباط هو الابطال والإفساد ، حبط عمله أي بطل وفسد . فيظهر من ذلك أنّ الإحباط بمعنى إفساد الثواب وإبطاله لا محو العمل ومحقه وإعدامه بحيث لا يبقى شيء ، بل سقوطه عن قوّة التأثير بحصول الثواب في حقّ صاحبه ، وكذا الأمر في التكفير ، وهذا لا يستلزم إفناء العمل ومحوه بتاتا ، بل العمل الفاسد الباطل يبقى على تلك الحالة ويسقط عن قوّة التأثير ، فلا منافاة بين ظواهر عدّة من الآيات القرآنية في إبطال الكفر واستحقاق العقاب به بالإيمان وكذا في إبطال الإيمان وسائر الطاعات واستحقاق الثواب بالكفر ، وبين قوله تعالى : « يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ » فإنّ الكفر واستحقاق العقاب له يبطل بالإيمان ويفسد به ، ولا يكون له تأثير بعد حصول الإيمان ، وكذا الإيمان واستحقاق الثواب به يبطل بالكفر ويفسد ولا يكون له تأثير بعد حصول الكفر ، لا أنّهما يصيران معدومين تماما ، بل الكفر والأعمال الصادرة في حالته وكذا الإيمان والأعمال الصادرة في حالته باقيان في حالة البطلان والفساد ، ويبقيان في حال عدم التأثير حتّى يراهما الإنسان يوم القيامة . وأمّا المؤمن المطيع إذا فعل ما يستحقّ به العقاب فلا يبطل الاستحقاقين في حقّه ، ويجتمعان في حقّه ، ليرى أعمال نفسه واستحقاقه الثواب والعقاب عند الميزان ، أو تدركه الشفاعة إن لم يوفّق للتوبة ونحوها ،